أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

223

التوحيد

وقد ذكر غير هذا في القضاء مما ليس بنا إلى ذكره حاجة فيما نحن فيه . وأما القدر فهو على وجهين : أحدهما الحد الذي عليه يخرج الشيء ، وهو جعل كل شيء على ما هو عليه من خير أو شر ، من حسن أو قبح ، من حكمة أو سفه ، وهو تأويل الحكمة أن يجعل كل شيء على ما هو عليه ، ويصيب في كل شيء الأولى به ، وعلى مثل هذا قوله : إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ [ القمر : 49 ] . والثاني بيان ما عليه يقع كل شيء من زمان ومكان ، وحق وباطل ، وما له من الثواب والعقاب ، وعلى مثل أحد هذين المروي عن رسول اللّه عند سؤال جبريل عليه السلام إياه عن الإيمان أن قرن ما ذكرنا بالقدر خيره وشره من اللّه ، فالأول نحو خلق الشيء على ما هو عليه قائم ، ذلك في أفعال الخلق من خروجها على ما لا يبلغه أوهامهم من الحسن والقبح ولا يقدرها عقولهم ، فثبت أنها خرجت على ذلك باللّه سبحانه . والثاني أيضا لا يحتمل منهم تقدير أفعالهم من الزمان والمكان ولا يبلغه علمهم ، فمن ذلك الوجه أيضا لا يحتمل أن يكون بهم ، وهي غير خارجة عن اللّه تعالى ، وقال اللّه تعالى : وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ [ سبإ : 18 ] ، وقال : إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنا إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ [ الحجر : 60 ] ، ولا قوة إلّا باللّه . والكعبي زعم أن اللّه لا يقضي الكفر ، ثم فسر وجوه القضاء وجعلها في بعض ما فسر ، فإنكاره في الجملة على احتمال ذلك في أحد الوجوه خطأ . ثم احتج بأن الكفر متفاوت وباطل ، وقضاء اللّه حق وصواب لمن لا يعلم أن القضاء بالباطل إنه باطل ، وبالمتفاوت إنه متفاوت عدل وحق ، وكذا قضاء الحكام فأفعال الجود والظلم إنها جود غير باطل ولا متفاوت حتى كاد يعرفها الصبيان ، فمن جهل ذلك ، ثم ادعى حدود الكلام ، فحق الكلام عليه أن يعرف ما الكلام ، ولا قوة إلّا باللّه . واحتج بما روي عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال ، قال اللّه تبارك وتعالى : « من لم يرض بقضائي ولم يصبر على بلائي فليلتمس ربا سواي » « 1 » . قال الفقيه رحمه اللّه : هذا مثل الأول ، وإن الرضا بقضائه أن تعلم بأن الكفر مضمحل قبيح وأنه شر وفساد وأنه يوجب مقت صاحبه وتعذيبه إلا أن يتوب ، فمن لم يرض بهذا فهو كافر ، فيكون على ما جاء به الخبر . على أن الكفر والقبح هو فعل العبد ، ومحال أن يكون هو قضاؤه ، فثبت أن قضاء اللّه هو ما ذكرت مما عليه حقيقة الفعل ، ولا قوة إلّا باللّه .

--> ( 1 ) رواه الطبراني في المعجم الكبير ، عن أبي هند الداري ، حديث رقم ( 807 ) [ 22 / 320 ] والديلمي في الفردوس بمأثور الخطاب ، حديث رقم ( 4449 ) [ 3 / 169 ] ورواه غيرهما .